تسجيل الدخول


عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق

عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَبْدِ اللّهِ بنِ عُثْمانَ، وهو عبد الرحمن بن أَبي بكر الصديق بن أَبي قُحَافة القرشي التَّيْمِيّ:
كان اسمه عبدَ الكعبة، وقيل: كان اسمه عبد العُزى فسماه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم عبد الرحمن، ويكنى أَبا عبد اللّه، وقيل: أَبو محمد، بابنه محمد، وقيل: أَبو عثمان.
أمه أم رُومان بنت عامر بن عُوَيمِر، وقال محمد بن سعد: وسمعتُ مَن ينسبها إلى غير هذا النسب فيقول: أمّ رُومان بنت عامر بن عَميرة. هو أسنُّ وَلدِ أبي بكر، ولا يعرف في الصحابة أَربعة وِلاءٌ: أَبٌ وبنوه بعده، كل منهم ابن الذي قبله، أَسلموا وصحبوا النبي صَلَّى الله عليه وسلم إِلا أَبو قحافة، وابنه أَبو بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن بن أَبي بكر، وابنه محمد بن عبد الرحمن أَبو عِتِيق، وكان عبد الرحمن شقيقَ عائشة.
وكان لعبد الرحمن بن أبي بكر من الوَلدِ محمدٌ وهو أبو عَتِيق، فولدُهُ يقال لهم بَنُو أَبِي عَتِيق، وأمّه أمية بنت عَدِيّ بن قَيْس، وعبدُ الله بن عبد الرحمن، وأمّ حَكيم، وحَفْصةُ الكبرى وهي التي زوجتها عائِشةُ المنذرَ بن الزبير، وعبد الرحمن غائبٌ، فلما قَدِمَ أراد نَسْخ ذلك، وقال: يُفتَاتُ عَلَيَِّ في بَنَاتِي، ثم رضى وأجازَ ما صنعت عائشة، وأسماء، وأم كلثوم، وحفصة الصغرى، وهم لأمهاتِ أولادٍ شتى. عن هشام بن عروة، عن أبيه أن عبد الرحمن قدم الشام في تجارةٍ فرأى ليلى ابنة الجوديّ وحَوْلها وَلَائد، وكان أبوها عربيًا من غَسّان أمير دمشق، فأعجبته وقال فيها:
تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ بَيْنَنَا فَمَا لاِبْنَةِ الجُودِيِّ
لَيْلَى وَما لِيَا
وَأَنََّى
تَلَاقِيهَا
بَلَى
وَلَعَلََّهَا إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلًا أَنْ تُوَافِيا
فلما سمع عمر الشعر قال لأمير الجيش: إن ظفرتَ بها فادْفعها لعبد الرحمن، ففعل، فأُعجِب بها وآثَرها على نسائه، فلامته عائشة فلم يُفد فيه؛ ثم إنه جفاها حتى شكته إلى عائشة؛ فقالت: أفرطْتَ في الأمرين.
قال عُمارة بن أبي عمار: رأيت عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق يخضبُ بالحِناء والكتم.
تأخر إسلامه إلى أيام الهُدْنة، فأسلم وحَسُن إسلامه. وقال أَبُو الْفَرَجِ في "الأغاني": لم يُهاَجِر مع أبيه؛ لأنه كان صغيرًا، وخرج قبل الفتح في فتيةٍ من قريش منهم معاويةُ إلى المدينة، فأسلموا. قال ابن حجر العسقلاني في "الإصابة في تمييز الصحابة": وفيما قال نظر؛ والذي يظهر أنه كان مختارًا لذلك لكونه لم يدخل مع أهْلِ بيته في الإسلام، وخرج، وقيل: إنما أسلم يوم الفتح، ويقال: إنه شهد بَدْرًا مع المشركين. هاجر إلى المدينة، وأَطْعَمَه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم بخَيْبَر أربعين وسقًا(*).
سكن المدينة، وتوفي بمكة. قال الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كان رجلًا صالحًا، وفيه دُعاَبة. وقالوا: ولم يزل عبد الرحمن بن أبي بكر على دين قومه وشهد بدرًا مع المشركين، ودعا إلى المبارزَةِ فقام إليه أبو بكر الصديق ليُبارِزهُ فقال له رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "مَتِّعنا بنفسك"، ثم أسلم عبد الرحمن بن أبي بكر في هُدْنَةِ الحُدَيبيِة.
روى عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أحاديثَ منها في الصحيح، وروى عن أبيه، وروى عنه عبد الله، وحَفْصة، وابن أخيه القاسم بن محمد، وأبو عثمان النَّهْدي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن أوس الثقفي، وغيرهم. قال عبد الرحمن بن أَبي بكر الصديق: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "إِيْتُوْنِي بِكَتِفٍ وَدَوَاةٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوْنَ بَعْدَهُ"، ثُمَّ وَلَّى قَفَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "يَأْبَى الله وَالْمُؤْمِنُوْنَ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ"(*).
قال ابْنُ عَبْده البَرِّ: كان شجاعًا رامِيًا حسنَ الرمي، وشهد اليمامة، فقتل سبعة من أكابرهم؛ منهم مُحَكّم اليمامة؛ وكان في ثلمة من الحصن، فرماه عبد الرحمن بسهم فأصاب نَحْرَه فقتله، ودخل المسلمون من تلك الثلمة. وشهد وَقْعَة الجمل مع عائشة. وأخوه محمد مع علي. وروى البُخَارِيُّ، من طريق يوسف بن ماَهِك، قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} [الأحقاف: 17]، فأنكرت عائشة ذلك مِنْ رواء الحجاب قائلةً: والله ما هو به، ولو شئت أن أُسمّيه لسميتُه، فقال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقَيْصر. وأخرج الزُّبَيْرُ، عن عبد الله بن نافع، قال: خطب معاوية، فدعا الناس إلى بَيْعَة يزيد، فكلمه الحسين بن علي وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال له عبد الرحمن: أَهِرقلية كلما مات قَيْصر كان قيصر مكانه؟ لا نفعل والله أبدًا. وقال عبد العزيز الزهري: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بَعْد ذلك بمائة ألف، فردَّها، وقال: لا أبيع دِيني بدنياي.
قال عبد الله بن أبي مُليكَةَ: تُوفي عبد الرحمن بن أبي بكر في منزلٍ له بالحُبْشِيّ، فحملناه مع ابن صفوان على رقابنا ستة أميالٍ إلى مكة، وعائشةُ غائبةُ، فقَدِمَتْ بعد ذلك من المدينة، فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما آسى من أمره إلا على خصلتين: إنه لم يُعَالَجْ ولم يُدفن حيث مات، وقالت: أَرُوني قبرَ أخي، فأَرَوها فَصَلَّت عليه فتمثلت بهذين البيتين:
وكُنّا كَنَدْمَانَيْ
جَذِيمةَ حِقْبَةً من الدَّهْر حتى قيل: لن يَتَصدَّعَا
فلما
تَفَرَّقْنَا
كَأَنِّي
ومَالكًا لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِـتْ
ليلةً مَعَا
ثم قالت: أَمَا واللهِ لو شهدتك ما زرت قبرك، ولو شهدتك ما حُمِلتَ من حبشيّ ميتًا وَلَدُفِنْتَ مكانك. قال نافع بن عمر: وكان مات فجأة. وعن منصور بن صَفِيَّة، عن أمهِ، قال: مات أخٌ لعائشةَ بوادِي الحُبْشِيّ فَحُمل من مكانه، فأتيناها نعزّيها فقالت: ما أجد في نفسي إلا أنني وَددتُ أنه كان دُفن مكانهُ. قال ابن أَبِي مُلَيْكَة: كانت عائِشة تزور قبرَ أخيها في هَودج. روى ابن عون، قال: حدّثني رجلٌ قال: قدمت أم المؤمنين ذَا طُوًى حين رفعوا أيديهم عن قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فَفَعَلَتْ يومئذ وتركت، فقالت لها امرأة: وإنك لتفعلين مثل هذا يا أمَّ المؤمنين؟! قالت: وما رأيتيني فعلت؟ إنه ليست لنا أكباد كأكباد الإبل، ثم أمرت بفُسطاط فَضُرب على القبر وَوَكّلوا به إنساناَ وارتحلت، فقدم ابن عمر فرأى الفسطاط مضروبًا فسأل عنه فحدثوه، فقال للغلام: انزعهُ فإنما يُظلهُ عمله، قال الغلام: تَضْرِبُنيِ مَوْلاَتِي، إنهم وكّلوني به، فقال له ابن عمر: كلا، فنزعه. وعن عَلقمة بن أبي عَلقمة، عن أمه، أن امرأة دخلت بيت عائشة فصلّت عند بيت النبي صَلَّى الله عليه وسلم، وهي صحيحة، فَسَجَدَتْ فلم ترفع رأسَها حتى مَاَتتْ، فقالت عائشة: الحمد لله الذي يحيى ويميت، إن في هذا لَعِبْرَةً لي في عبد الرحمن بن أبي بكر، رَقَدَ في مَقِيلٍ له قَالَهُ، فذهبوا يُوقظِونَهُ فوجدوه قد مات، فدخل نفس عائشة تهمةٌ أن يكون صُنع به شرٌ، أَوْ عُجِلَ عليه فَدُفِن وهو حَيّ، فرأت أنه عِبرةٌ لها، وذهب ما كان في نفسها من ذلك. قال يحيى بن سعيد: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق في نومٍ نامَهُ، فأعتقت عنه عائشة أم المؤمنين رقابًا من تلاده ــ والتَّلِيد: الّذي وُلِدَ عندك ــ؛ ترجو أن ينفعه ذلك بعد موته. قال القاسم بن محمد: مات عبد الرحمن بن أبي بكر، فعمدَ ابنه فلم يدع أحدًا من قرابته إلا أعطاهُ شيئًا، قال القاسم: فذكرته لابن عباس فقال: ما كان ذلك له، إنما ذاك في الوصية أن يدُلّهُم عليها أو يأمرهم بها. عن عبد الله بن أبي مُلَيكَة: أن عبد الرحمن بن أبي بكر حَلفَ ألاَّ يُكلّم إنسانًا، فلما مات قالت عائشة: يميني في يمين ابن أمّ رُومان. قال ابن أبي مُلَيْكَة: رأيتُ عائشة بعينيّ هاتين تزور قبر أخيها فتُسَلِّم وتُصَلِّي عليه وتستغفر له، ورُحتُ من منزلي وأنا أريدُ منزل عائشة فتلقتني على حمار فسألتُ بعض من كان معها قال: زارت قبر أخيها عبد الرحمن. قال ابْنُ سَعْدٍ، وأبو نعيم وغيرهما: مات سنة ثلاث وخمسين. وقال يحيى بن بكير: سنة أربع وخمسين. وقيل: كان موته سنة خمس وخمسين، وقيل: سنة ست وخمسين، قال ابن الأثير في "أسد الغابة": والأَول أَكثر ــ يعني سنة ثلاث وخمسين. وقال أبو زُرْعة الدمشقي: مات سنةَ قدم معاوية المدينةَ لأخْذِ البيعة ليزيد، وماتت عائشة بعده بسنةٍ سنة تسع وخمسين. وقال ابْنُ حِبَّانَ: مات سنة ثمان.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال