تسجيل الدخول


معاوية بن صخر بن أبي سفيان

يكنى معاوية أبا عبد الرّحمن، وُلد قبل البعثة بخمس سنين تقريبا، أمه هند بنت عُتْبَة بن رَبِيعة، وأَسلم معاوية هو وأَبوه أبو سفيان، وأَخوه يزيد، وأُمه هند في الفتح، وروى محمد بن سلام الجمَحيّ، عن أبَان بن عثمان: كان معاوية بمنى وهو غلام مع أمه إذ عثر؛ فقالت: قم لا رفعك الله؛ فقال لها أعرابي: لم تقولين له هذا؟ والله إني لأراه سيسود قومَه، فقالت: لا رفعه الله، إن لم يسد إلا قومه. وكان معاوية أَبيضَ جميلًا، إِذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يَخضِبُ. وقال معاوية بن أبي سفيان: لما كان عام الحديبية وصدّت قريش رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، عن البيت ودافعوه بالراح، وكتبوا بينهم القضية، وقع الإسلام في قلبي، فذكرتُ ذلك لأُمي هند بنت عتبة فقالت: إياك أن تخالف أباك أو أن تقطع أمرًا دونه فيقطع عنك القوت، فكان أبي يومئذ غائبًا في سوق حُبَاشَة، قال: فأسلمتُ وأخفيتُ إسلامي، فوالله لقد رَحَلَ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، مِن الحديبية وإني مصدّق به وأنا على ذلك أكتمه مِن أبي سفيان، ودخَل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، مكة عام عُمرة القضية وأنا مسلم مصدق به وعلم أبو سفيان بإسلامي فقال لي يومًا: لكن أخوك خَير منك فهو على ديني، قلت: لم آل نفسي خيرًا، فدخل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، مكة عام الفتح فأظهرتُ إسلامي ولقيته فرحّب بي. وشهد معاوية مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، حُنينًا والطائف وأعطاه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، من غنائم حُنين مائة من الإبل وأربعين أوقيّة وزنها له بلال. وروي أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال لمعاوية: "الْلَّهُمَّ، اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًا، وَاهْدِ بِهِ"ـــ . وكان زيد بن ثابت يكتب الوَحْي؛ وكان معاوية يكتب للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينه وبين العرب، وقيل لابن عباس، إن معاوية لم يوتر حتى أصبح فأوتر بركعة فقال: إن أمير المؤمنين عالم، وروى خالد بن يزيد عن ابن حَلْبَس قال: خَطَبنا معاوية بدمشق فقال يا أيها الناس: اعقلوا عني، فإنكم لا تَجدون بعدي أحدًا أعلم بأمر الدنيا والآخرة مني، أقيموا وجوهكم وصُفُوفكم في الصلاة قبل أن يُخَالفَ الله بين قلوبكم، وخُذوا على أيدي سُفهائكم قبل أن يُسَلّطهم الله عليكم فَيَسُومُونَكم سُوء العذاب، وتَصَدّقوا، ولا يقولن أحدكم إِنّي مُقِلّ، فإن صَدَقة المقل أفضل من صدقة الغني، وإياكم وإياي ورمي المحصنات، فوالله لو رَمَى رجل مُحصنة كانت في زمن نوح لسأله الله عنها، ولا يقولن أحدكم سمعتُ وبلغني. وقال ابن عباس: معاوية فقيه. وقال ابن عمر: ما رأَيت أَحدًا بعد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أَسوَدَ من معاوية ــ من السيادة ــ فقيل له: أَبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي؟ فقال: كانوا ــ والله ــ خيرًا من معاوية وأَفضل، ومعاوية أَسود ــ من السيادة ــ وقال ابن عباس: ما رأيتُ رجلًا كان أخلق للملك مِن معاوية. وذُمّ معاوية عند عمر يومًا، فقال: دعونا من ذم فتى قريش من يضحك في الغضب، ولا ينال ما عنده إلَّا على الرَّضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه. عن ثابت مولى سفيان قال: سمعتُ معاوية يقول: إني والله لستُ بخيركم، وإن فيكم مَن هو خير مني، عبد الله بن عمر وعبد الله بن عَمرو بن العاص وغيرهما مِن الأفاضل، ومعاوية هو أول من اتخذ ديوان الخاتم مَرض معاوية مرضًا شديدًا فحَسَر عن ذراعيه كأنهما عسيبا نخل فقال: ما الدنيا إلا كما قد ذُقنا وجربنا، والله لَودِدتُ أنى لا أعبر فيكم فوق ثلاث ليال حتى ألحق بالله تعالى، فقال جلساؤه: بِرَحْمَةِ الله يا أمير المؤمنين، فقال: ما شاء الله أن يقضي لأمير المؤمنين قضاء أنه قد علم أني لم آلُو، وما كَرِه الله غَيْرَه، روى معاوية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وأخته أم المؤمنين أم حَبِيبة بنت أبي سفيان، وروى عن معاوية من الصحابة: ابن عباس، وأَبو الدرداءِ، وابن عمر، وغيرهم. وكان معاوية لا يكاد يحدث عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم شيئًا، قال: وكان لا يكاد يدع هؤلاء الكلمات أن يقولهن يوم الجمعة على المنبر عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "أن الله إذا أرادَ بعبد خيرًا يفقّهه في الدين، وأن هذا المال حُلو خضر، مَن يأخذ بحقه يبارك له فيه وإياكم والتمادح فإنه الذبح". وروى عَمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جَدِّه قال: كانت إداوة يحملها أبو هريرة مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فاشتكى أبو هريرة فحملها معاوية، فبينما هو يوضئ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، رفع رأسه فقال: "يا معاوية: إن وليتَ مِن أمور المؤمنين شيئًا فاتّق الله واعدل"، فما زلت أظن أني مُبتلى حتى وليت لقول رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم. بايع أهل الشام معاوية بالخلافة في ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين، ولما قتل علي واستخلِفَ الحسن بن علي، سار معاوية على العراق، وسار إِليه الحسن بن علي، وسَلَّم الأَمر إِلى معاوية، وعاد إِلى المدينة، وتسلم معاوية العراق، وأَتى الكوفة فبايعه الناس، واجتمعوا عليه، فسمي عام الجماعة، فبقي خليفة عشرين سنة، وأَميرًا عشرين سنة، لأَنه ولي دمشق أَربع سنين من خلافة عمر، واثنتي عشرة سنة خلافة عثمان مع ما أَضاف إِليه من باقي الشام، وأَربع سنين تقريبًا أَيام خلافة علي، وستة أَشهر خلافة الحسن، وسلم إِليه الحسن الخلافة سنة إحدى وأَربعين، وقيل: سنة أَربعين. وقيل أن معاوية حين حضرته الوفاة، دعا ابنَه يزيدَ فأوصاهُ بتقوى الله، ثم قال: إني قد أحكمتُ هذا الأمرَ فعليك بالجِدِّ في أمرك والرفقِ بالناس، فإنك إذا رفقتَ بهم أخذت ثمرةَ قلوبهم ما لم يكن رفقك ضعفًا تركب فيجترئ عليك، وقد خلفت بعدي ثلاثة هم أخوف مَن أخاف عليك أن يسفه عليك ما في يديك: حسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أحب الناس إلى الناس، فَصِلْ رَحِمَه وارفُق به يصلح لك أمره، وعبد الله بن الزبير لا هو رطبٌ فَتَعصره ولا يابسًا فَتَكِسِره، فارفق به وَصِلْ رَحِمَه يصلح لك أمره، وعمرو بن سعيد بن العاص هو أطوع الناس عند أهل الشام، فارفق به وأكرمه يصلح لك أمره، الزم عهدي ووصيتي ولا تلقي هذا الكلام منك بظهر. وأغمي عليه عند احتضاره ثم أفاق رضي الله عنه، وقال لابنه: يا بني؛ إني صحبتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فخرج لحاجةٍ فاتبعته بإداوة، فكساني أحَدَ ثوبيه الذي كان على جِلْدِه، فخبأته لهذا اليوم، وأخذ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم من أظفاره وشعره ذات يوم، فأخذْتُه وخبأته لهذا اليوم، فإذا أنا مِتّ فاجعل ذلك القميصَ دون كَفَني مما يلي جلدي، وخُذْ ذلك الشّعر والأظفارَ فاجعَلْه في فمي، وعلى عيني ومواضع السّجود منّي، فإن نفع شيء فذاك، وإلا فإِنَّ الله غَفورٌ رحيم. وتُوفِّي رضي الله عنه في النّصف من رجب سنة ستين بدمشق، ودُفِن بها، وهو ابنُ ثمان وسبعين وقيل ابن اثنين وثمانين سنة، وكانت خلافتُه تسع عشرة سنة ونصفًا. وروي أنه لما مات معاوية أُخرجت أكفانه فوضعت على المنبر، ثم قام الضَّحَّاك بن قَيْس الفِهْرِيّ خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن أمير المؤمنين معاوية كان في جَدّ العرب وَعَوَذ العرب، وَحَدّ العرب قطع الله به الفتنة، وملَّكه على العباد وَسَيَّر جنوده في البر والبحر وبسط به الدنيا، وكان عبدًا من عَبِيد الله، دعاه الله فأجابه، فقد قضى نحبه، رحمة الله عليه وهذه أكفانه، فنحن مُدْرِجُوه فيها، ومُدْخلوه قبره، ومُخلوه وعمله، فيما بينه وبين ربه، إن شاء رحمه وإن شاء عذّبه، وصلى عليه الضَّحّاك بن قَيْس الفِهْرِيّ. وخطَب يزيد بن معاوية الناس بعد دفن والده فقال: إن معاوية كان عبدًا من عبيد الله، أنعم الله عليه، ثم قَبَضَه إليه، وهو خيرٌ ممن بعده ودون مَن فوقه، ولا أزكيه على الله هو أعلم به، إِنْ عَفَا عنه فبرحمته وإن عاقَبه فبذنبه، وقد وُلِّيتُ الأمرَ من بعده، ولستُ آسى على طلب ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئًا كان، اذكروا الله واستغفروه.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال