تسجيل الدخول


عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن حذافة بن مالك بن حسل...

عَبْدُ اللّهِ بنُ سَعْد بنِ أَبي سَرْح القرشي العامري:
يُكْنَى أبا يحيى، وأمه مهانة بنت جابر من الأشعريين، وقَالَ ابْنُ حِبَّان: كان أبوه من المنافقين الكفار، قال ابن حجر العسقلاني: "هكذا قال؛ ولم أره لغيره". وَلَدَ عبدُ الله بن سعد: محمدًا؛ وأُمُّه بنت حمزة بن السرح بن عبد كلال، وعياضًا لأم ولد، وأُمُّ كلثوم؛ وأمها مِنْ حِمْيَر، ورَمْلةَ؛ وأمها أم سعيد بنت نوفل بن الحارث، وأُمَّ جَمِيل، ودعدَ وأمَّ الفضل وأُمَّ عَمْرو لأمهات أولاد، وكان عبد الله بن سَعْد بن أَبِي سَرْح قد أسلم قديمًا، وذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ في تسمية مَنْ نزل مصر من الصحابة، وكان فارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم، وهو أحد النّجباء العقلاء الكرماء من قريش.
وكان عبد الله بن سعد يكتب لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم الوحي، فربما أملى عليه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، فكتب: {عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فيقرأه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فيقول: "كذلك الله"، ويقرّه، فافتتن عبد الله بن سعد وقال: ما يدري محمد ما يقول، إني لأكتب له ما شئت هذا الذي كتبت يوحى إليّ كما يوحى إلى محمد، وخرج هاربًا من المدينة إلى مكة مرتدًا، فأهدَر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، دمه يوم الفتح، فجاء إلى عثمان بن عفّان، وكان أخاه في الرضاعة، فقال: يا أخي، إني والله قد اخترتك على غيرك، فاحبِسني ها هنا، واذْهَبْ إلى النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فكلّمه فيّ، فإن محمدًا إن رآني ضَرَبَ الذي فيه عيناي، إِن جُرْمي أعظم الجُرم، وقد جئتك تائبًا، فقال عثمان: بل اذهب معي، فقال عبد الله: والله لئن رآني ليضرَبنّ عنقي ولا يناظرني، قد أهدر دمي، وأصحابه يطلبونني في كل موضع، فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك إن شاء الله، فلم يُرع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، إلا بعثمان آخذ بيد عبد الله بن سَعْد بن أَبِي سَرح واقِفَيْن بين يديه، فأقبل عثمان على النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إن أمه كانت تحملني وتمشيه، وكانت ترضعني وتفطمه، وكانت تلطفني وتتركه، فَهَبْهُ لي، فأعرضَ عنه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وجعل عثمان كلما أعرَضَ النبي صَلَّى الله عليه وسلم عنه بوجهه استقبله، فيعيد عليه هذا الكلام ــ وإنما أعرَضَ عنه النبي صَلَّى الله عليه وسلم إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمِّنه ــ فلما رأى أن لا يقوم أحد، وعثمان قد أكبّ على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقبِّل رأسه، وهو يقول: يا رسول الله تبايعه فداك أبي وأمي، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "نعم"، ثم التفت إلى أصحابه فقال: "ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا الكلب فيقتله"، أو قال: "الفاسق؟!" فقال عباد بن بشر: ألا أومأتَ إليّ يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق إني لأتبع طرفك من كل ناحية، رجاء أن تشير إليّ فأضرب عنقه، وقيل: أن الذي قال هذا أبو اليَسر، وقيل: عمر بن الخطاب، ولعلهم قالوه جميعًا، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "إني لا أقتل بالإشارة"، وقائل يقول: إِن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال يومئذ: "إِن النبي لا تكون له خائنة الأعين"، فبايعه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم على الإسلام، وجعل عبد الله بعد ذلك كلما رأى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يفر منه، فقال عثمان لرسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: بأبي أنت وأمي، لو ترى ابن أم عبد الله يفر منك كلما رآك، فتبسَّم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم قال: "أو لم أبايعه وأؤمنه؟" فقال: بلى، أَيْ رسول الله، ولكنه يتذكر عظيم جُرمه في الإسلام، فقال النبي صَلَّى الله عليه وسلم: "الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله". فرجع عثمان إلى عبد الله بن سعد فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي صَلَّى الله عليه وسلم مع الناس بعد ذلك.(*).
وهاجر عبد الله، وقَالَ ابْنُ يُونُسَ: شهد فتح مصر، واختط بها، وكان صاحب الميمنة في الحرب مع عمرو بن العاص في فتح مصر، وله مواقف محمودة في الفتوح، وهو الذي افتتح إفريقية زمنَ عثمان، وولي مصر بعد ذلك؛ وكانت ولايته مِصْر سنة خمس وعشرين؛ وكان فَتْح إفريقية من أعظم الفتوح، بلغ سَهْمُ الفارسِ فيه ثلاثة آلاف دينار؛ وذلك سنة ثمان، وأما الأساوِد فكان فتحها سنة إحدى وثلاثين بالنوبة، وهو هادِنَهم الهدنة الباقية بعده، وَقَالَ خلِيفةُ: سنة سبع وعشرين عُزِلَ عمرو عن مصر، وقيل: عَزْلُ عمرو سنة خمس وعشرين، وولي عبد الله بن سعد؛ فغزا إفريقية، ومعه العبادِلَة ــ يعني: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر ــ وَقاَلَ ابْنُ البَرْقِيّ في "تاريخه": حدثنا أبو صالح، عن الليث، قال: كان ابن أبي سَرْح على الصعيد في زمَنِ عمر، ثم ضمّ إليه عثمان مصر كلها، وكان محمودًا في ولايته، وغَزَا ثلاثَ غزوات: إفريقية وذات الصَّواري والأسَاود.
وقال ابن حجر العسقلاني: "قَالَ الْبَغَوِيُّ: له عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم حديث واحد وحرفه، ووقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده". وكان عبد الله صاحبَ ميمنة عمرو بن العاص في افتتاحه وفي حروبه هناك كلّها،‏ وولى حرب مصر لعثمان أيضًا، فلما ولاّه عثمان، وعزل عنها عمرو بن العاص جعل عمرو بن العاص يطعن على عثمان أيضًا، ويؤلّب عليه، ويسعى في إفساد أمره، فلما بلغه قَتْل عثمان وكان معتزلًا بفلسطين قال:‏ إني إذا نكأت قرحةً أَدْمَيتها، أو نحو هذا، وعن صالح بن الوجيه، قال:‏ في سنة خمس وعشرين انتقضت الإسكندريّة، فافتتحها عمرو بن العاص، وقتل المقاتلة، وسبى الذّرية، فأمر عثمان بردِّ السبْي الذين سبوا من القُرى إلى مواضعهم للعهد الذي كان لهم، ولم يصحّ عنده نقضُهم، وعزل عمرو بن العاص، وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان ذلك بدء الشّرِّ بين عثمان وعمرو بن العاص.
وقيل: إنَّ عبد الله بن سعد بن أبي سرح افتتح إفريقية من مصر سنة سبع وعشرين، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين، وهو الذي هادنهم الهُدْنة الباقية إلى اليوم، وغزا الصّواري في البحر من أرض الرّوم سنة أربع وثلاثين، ثم قدم على عثمان،‏ واستخلف على مصر السّائب بن هشام بن عمرو العامريّ، فانتزى عليه محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، فخلع السّائب، وتأمر على مصر، ورجع عبد الله بن سعد من وفادته فمنعه ابن أبي حذيفة من دخول الفسطاط فمضى إلى عَسْقَلان، فأقام بها حتى قُتل عثمان رضي الله عنه، وقيل شهد صفين، وقيل: بل أَقام بالرّملة حتى مات، فارًّا من الفتنة، ودعا ربَّه فقال:‏ اللهم اجعل خاتمةَ عملي صلاة الصّبح، فتوضأ ثم صلّى الصبّح، فقرأ في الرّكعة الأولى بأمّ القرآن والعاديات، وفي الثّانية بأمّ القرآن وسورة؛ ثم سلَّم عن يمينه، وذهب يسلِّم عن يساره، فقبض الله روحه، ولم يبايع لعليّ ولا لمعاوية، وكانت وفاته قبل اجتماع النّاس على معاوية، وقيل: إنه تُوفِّي بإفريقية، قال ابن عبد البر: والصّحُيح أنه توفي بعسقلان سنة ست أو سبع وثلاثين.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال