تسجيل الدخول


عبد الله بن حبيب

عمرو بن حبيب، وقيل: مالك بن حُبَيِّب، وقيل:‏‏ عبد الله بن حُبَيب بن عمرو الثّقفي، أبو مِحجن الثَّقَفي، أبو عبيدة.
مشهور بكنيته أبو مِحْجَن الثّقفي، وقيل: كنيته أبو عبيدة، وأبو مِحجَن اسمه سُمِّي بلَفْظِ الكنية، أمه كنود بنت عبد الله بن عبد شمس، أَسلم حين أَسلمت ثقيف سنة تسع في رمضان، وكان أبو مِحْجَن هذا من الشّجعان الأبطال في الجاهليّة والإسلام، من أُولي البأس والنجدة ومن الفرسان البُهم، وكان شاعرًا مطبوعًا كريمًا، إلا أنه كان منهمكًا في الشّراب، لا يكاد يُقْلِعُ عنه، ولا يَرْدَعه حدّ ولا لوم لائم، وكان أبو بكر الصّديق يستعين به، وجلده عمر بن الخطّاب في الخمر مرارًا، ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلًا، فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقّاص بالقادسية، وهو محاربٌ للفرس، وكان قَدْ هَمَّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأحَّس الرّجل بذلك، فخرج فارًّا فلحق بعُمر فأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقّاص بحَبْس أَبي محجن، فحبسه. فلما كان يوم "قس النّاطف" بالقادسية، والتحم القتال، سأل أبو مِحْجن امرأة سَعد أَنْ تحلَّ قيده وتعطيه فرس سعد، وعاهَدَها أنه إن سلم عاد إلى حاله من القيد والسِّجن، وإن استشهد فلا تَبِعَةَ عليه؛ فخلَّت سبيله، وأعطته الفرس، فقاتل أيام القادسية وأبلى فيها بلاءً حسنًا، ثم عاد إلى محبسه‏، وكانت القادسيّة أيام مشهورة، منها يوم ‏"‏قس‏ النّاطف"، ومنها يوم أَرماث، ويوم أَغواث، ويوم الكتائب، وغيرها، وكانت قصّة أبي محجن في يومٍ منها؛ ويومئذ قال‏:
كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْتَدِي الخَيْلُ بِالقَنَا وَأُتْرَكَ
مَشدُودًا
عَلَيَّ
وَثَاقِيَا
إِذَا قُمْتُ
عَنَّانِي الحَدِيدُ وَغُلِّقَتْ مَصَارِعُ دُونِي قَدْ تُصِمُّ المُنَادِيا
وَقَدْ كُنْتُ
ذَا مَالٍ كَثِيرٍ
وَإِخْوَةٍ فَقَدْ تَرَكُونِي
وَاحِدًا
لَا أَخَا لِيَا
وَقَدْ شَفَّ جِسْمِي أَنَّنِي كُلّ شارِقٍ أَعَالِجُ
كَبْلًا
مُصْمَتا قَدْ بَرَانِيَا
فِللَّهِ
دُرِّي
يَوْمَ
أُتْرَكُ
مُوثَقَا وَيَذْهَلُ
عَنِّي أُسْرَتِي وَرِجَالِيَا
حُبِسْنَا عَنِ الحَرْبِ العَوَانِ وَقَدْ بَدَتْ وَأَعْمَالُ غَيْرِي يَوْمَ ذَاكَ العَوَالِيَا
فلِلَّهِ
عَهْدٌ
لَا
أَخِيسُ
بِعَهْدهِ لَئِنَ فُرِّجَتْ
أَلَّا أَزُورَ
الحَوَانِيَا
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال:‏ بلغني أَنّ عمر بن الخطّاب حَدّ أَبا مِحْجن بن حُبَيب بن عمير الثّقفي في الخَمْر سبع مرّات‏، وقيل: ثماني مرات وذكر ذلك عبد الرّزاق في باب مَنْ حُدّ من الصّحابة في الخمر، وروى أَيّوب، عن ابن سيرين، قال:‏ كان أبو محجن الثّقفي لا يزال يجلد في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسيّة رآهم يقتتلون فكأنه رأى أنّ المشركين قد أصابوا من المسلمين، فأرسل إلى أم ولد سعد ــ أو إلى امرأة سعد ــ يقول لها:‏ إن أبا محجن يقول لك: إِن خلَّيْت سبيله وحملته على هذا الفرس، ودفعت إليه سلاحًا ليكوننّ أول مَنْ يرجع إليك إلا أن يُقْتل، فذهبت الأخرى فقالت ذلك لامرأة سعد، فحلّت عنه قيودَهُ، وحمل على فرس كان في الدّار، وأعطي سلاحًا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمِل على رجل فيقتله ويدقُّ صلبه؛ فنظر إليه سعد فجعل منه بتعجب ويقول‏:‏ مَنْ ذلك الفارس؟ فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى هزمهم اللَّه ورد السِّلاح، وجعل رجليه في القيود كما كان، فجاء سعد، فقالت له امرأته ــ أو أم ولده:‏ كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها، ويقول:‏ لَقِينا ولَقينا، حتى بعث الله رجلًا على فرس أَبْلَقَ، لولا أني تركْتُ أبا محجن في القيود لظننت أنها بعضُ شمائل أبي محجن. فقالت‏:‏ والله إنه لابُو محجن، كان من أمره كذا وكذا... فقصَّت عليه قصته، فدعا به، وحَلَّ قيوده، وقال‏:‏ والله لا نجلدك على الخمر أبدًا‏.‏ قال أبو محجن:‏ وأنا والله لا أشربها أبدًا؛ كنت آنف أن أَدَعها من أجل جلدكم، قال:‏ فلم يشربها بعد ذلك.
قال أَبُو أَحْمَدَ الحَاكِمُ: له صحبة، قال: ويخيل إليّ أنه صاحب سعد بن أبي وقاص الذي أتي به إليه وهو سَكْران، فإن يكن هو فإن اسمه مالك، ثم ساق من طريق أبي سعد البقال، عن أبي محجن؛ قال: أشهد على رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أنه قال: "أَخَافُ عَلَى أُمّتِي مِنْ بَعْدِي ثَلَاثةً: تَكْذِيبٌ بِالقَدَرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالنُّجُومِ"، وذكر الثالثة. وأخرجه أَبُو نُعَيْمٍ من هذا الوجه؛ فقال في الثالثة: "وحَيْف الأئمة"(*). قال ابن حجر العسقلاني: وأبو سعد ضعيف، ولم يدرك أبا محجن، وروى إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه؛ قال: لما كان يوم القادسية أتي سعد بأبي مِحْجن وهو سكران من الخمر، فأمر به فقيّد؛ وكان بسعد جراحة فاستعمل على الخيل خالد بن عُرفطة، وصعد سعد فوق البيت لينظر ما يصنَعُ الناس، فجعل أبو محجن يتمثل:
كفى حَزَنًا أَنْ تَرْتَدِي الخَيْلُ بِالقَنَا وَأُتْرَكَ
مَشْدُودًا
عَلَيَّ وَثاَقِيا
ثم قال لامرأة سعد، وهي بنت خصفة: ويلك! خلّيني، فلك الله عليّ إن سلِمْتُ أَن أَجيء حتى أضع رجلي في القيد، وإن قتلت استرحْتُم مني، فَخلَّته، ووثب على فرس لسعد يقال لها البلقاء، ثم أخذ الرمح، وانطلق حتى أتى الناس، فجعل لا يحمل في ناحية إلا هزَمهم الله، فجعل الناس يقولون: هذا مَلك؛ وسَعْدٌ ينظر، فجعل يقول: الضَّبْر ضَبْر البلقاء، والطَّفْر طَفْر أبي مِحجن، وأبو محجن في القيد، فلما هُزِم العدو رجع أبو محجن حتى وضع رِجْلَه في القيد، فأخبرت بنت خصفة سعدًا بالذي كان من أمره، فقال: لا والله لا أحدُّ اليوم رجلًا أَبْلَى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، قال: فخلّى سبيله، فقال أبو محجن: لقد كنتُ أشربها إذ كان يقامُ عليّ الحدُّ أطهر منها، فأما إذا بَهْرَجَتْني فوالله لا أَشْربها أبدًا. قال ابن حجر العسقلاني: استدل أَبُو أَحْمَدَ ــ رحمة الله ــ بأنّ اسمه مالك بما وقع في هذه القصة من قَوْل الناس: هذا ملك، وليس هذا نصًّا فيما أراد، بل الظاهر أنَّهم ظنوه ملكًا من الملائكة؛ ويؤيد هذا الظاهر أن أبا بكر بن أبي شيبة أخرج هذه القصةَ عن أبي معاوية بهذا السند؛ وفيها أنهم ظنوه ملكًا من الملائكة؛ وقوله في القصة: الضَّبْر ضَبْر البلقاء: هو بالضاد المعجمة والباء الموحدة: عَدْو الفرس. ومن قال بالصاد المهملة فقد صحّف، واسْمُ امرأة سعد المذكورة سلمى، ذكر ذلك سيف في الفتوح، وسماها أبو عمر أيضًا؛ وساق القصة مطولة، وزاد في الشعر أبياتًا أخرى؛ وفي القصة: فقاتل قتالًا عظيمًا، وكان يكبِّرُ ويحمل، فلا يقف بين يديه أحد، وكان يقصفُ الناس قَصْفًا مُنكرًا، فعجب الناسُ منه وهم لا يعرفونه.
وأخرج عبْدُ الرَّزَّاقِ بسند صحيح، عن ابن سيرين: كان أبو مِحْجَن الثقفي لا يزال يُجْلَد في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه؛ فلما كان يوم القادسية رآهم يقتتلون... فذكر القصة بنحو ما تقدم؛ لكن لم يذكر قول المسلمين: هذا ملك؛ بل فيه: إن سعدًا قال: لولا أني تركْتُ أبا محجن في القيد لظننتها بَعْضَ شمائله؛ وقال في آخر القصة: فقال: لا أَجْلِدك في الخمر أبدًا؛ فقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدًا، قد كنت آنَفُ أن أدَعها من أجل جَلْدِكم، فلم يشربها بعد.
وذكر المَدَائِنِيُّ، عن إبراهيم بن حكيم، عن عاصم بن عروة ـــ أن عمر غرَّب أبا محجن، وكان يُدْمن الخمر، فأمر أبا جهراء البصري ورجلًا آخر ــ أن يحملاه في البحر، فيقال: إنه هرب منهما، وأتَى العراق أيام القادسية. وذكر ابْنُ الأَعْرَابِيِّ؛ عن ابن دَأْب: أن أبا محجن هوى امرأةً من الأنصار يقال لها شموس، فحاول النظر إليها فلم يقدر فآجر نَفْسَه من بَنّاء يبني بيتًا بجانب منزلها، فأشرف عليها من كوة فأنشد:
وَلَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى الشُّمُوسِ وَدُونَهَا حَرَجٌ مِنَ الرَّحْمَنِ غَيْرُ قَلِيلِ
فاستعدى زَوْجُها عمر، فنفاه، وبعث معه رجلًا يقال له أبو جهراء كان أبو بكر يستعين به... فذكر القصة؛ وفيها أن أبا جهراء رأَى مِنْ أبي محجن سيفًا فهرب منه إلى عمر، فكتب عمر إلى سعد يأمره بسجنه... فسجنه فذكر القصته. وقيل: دخل أبو محجن على عمر فظنّه قد شرب، فقال استَنْكِهُوه، فقال أبو محجن: هذا التجسُّس الذي نُهيت عنه، فتركه، وذكر ابْنُ الأَعْرَابِيِّ، عن الفضل الضبي؛ قال: قال أبو محجن في تركه شرب الخمر:
رَأَيْتُ
الخَمْرَ
صَالِحَةً
وَفِيهَا مَنَاقِبُ
تُهْلِكُ
الرَّجُلَ
الحَلِيمَا
فَلَا
وَاللهِ
أَشْرَبُها
حَيَاتِي وَلَا أَشَفِي
بِهَا
أَبَدًا
سَقِيما
وذكر ابْنُ الكَلْبِيِّ، عن عوانة قال؛ دخل عبيد بن أبي مِحْجن على عبد الملك بن مروان، وقيل دخل على معاوية فقال له: أبوك الذي يقول:
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى جَنْبِ كَرْمَةٍ تُرَوِّي عِظاَمِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا
وَلَا
تَدْفِنَنِّي
بِالفَلَاةِ
فَإِننّي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقَهَا
قال: لو شئتُ لقلت أحسن مِنْ هذا من شعره، قال: وما ذاك؟ قال قوله:
لَا تَسْأَلِ النَّاسَ عَنْ مَالِي وَكَثْرَتِهِ وَسَائِلِ النَّاسَ عَنْ حَزْمِي وَعَنْ خُلُقِي
اليَومَ
أَعْلَمُ
أَنِّي
مِنْ
سرَاتِهِمُ إِذَا تَطِيشُ
يَدُ الرِّعْدِيدَةِ
الفَرَقِ
قَدْ أَرْكَبُ الهَوْلَ مَسْدُولًا عَسَاكِرُهُ وَأَكْتُمُ
السِّرَّ
فِيهِ
ضَرْبَةُ
العُنُقِ
أُعْطِي السِّنَانَ غَدَاةَ الرَّوْعِ حِصَّتَهُ وَعَامِلُ
الرُّمْحِ
أَرْويهِ
مِنَ
العَلَقِ
عَفُّ المَطَالِبِ عَمَّا لَسْتُ نَائِلَهُ وَإِنْ
طُلِبْتُ شَدِيد الحِقْدِ وَالحَنَقِ
قَدْ يَعْسُرُ المَرْءُ حِينًا وَهُوَ ذُو كَرَمٍ وَقَدْ
يَسُومُ
سَوَامَ
العَاجِزِ الحَمقِ
سَيَكْثُرُ المَالُ
يَومًا
بَعْدَ
قِلَّتِهِ وَيَكْتَسِي العُودُ
بَعْدَ اليُبْسِ بِالوَرَقِ
فقال مُعَاوِيَةُ: لئن كنا أسأْنَا القولَ لنحسننّ الفعل، وأَجزل صلته، وقد عاب ابْنُ فَتْحُون أبا عمر على ما ذكره في قصة أبي محجن إنه كان منهمكًا في الشراب، فقال: كان يكفيه ذِكْر حَدّه، عليه والسكوتُ عنه أليق، والأولى في أمره ما أخرجه سيف في الفتوح أن امرأةَ سعد سألته فيم حُبِس؟ فقال: والله ما حبستُ على حرام أكلته ولا شربته، ولكني كنْتُ صاحب شراب في الجاهلية فندَّ كثيرًا على لساني وصْفُها، فحبسني بذلك؛ فأعلمَتْ بذلك سعدًا، فقال: اذهب، فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله. قال ابن حجر العسقلاني: سيف ضعيف، والروايات التي ذكرناها أقوى وأشهر، وأنكر ابْنُ فَتْحُون قَوْلَ مَنْ روى أن سعدًا أبطل عنه الحد؛ وقال: لا يُظَنُّ هذا بسعد؛ ثم قال: لكن له وجه حسن ولم يذكره، وكأنه أراد أن سعدًا أراد بقوله: لا يجلده في الخمر بشرط أضمره؛ وهو إنْ ثبت عليه أَنه شربها، فوفَّقَه الله أن تاب توبة نَصُوحًا، فلم يَعُدْ إليها كما في بقية القصة، وقدسمع أبو محجن من النّبي صَلَّى الله عليه وسلم، وروى عنه، وزعم هيثم بن عدي أنه أخبره مَنْ رأى قبر أبي مِحْجَن الثّقفي بأذربيجان ـــ أو قال: في نواحي جرجان، وقد نبتَتْ عليه ثلاثة أُصول كرم، وقد طالت وأَنمرت، وهي معروشة على قبره، ومكتوب على القبر‏: هذا قبر أَبي محجن الثّقفي، قال: ‏فجعلْتُ أتعجَّب، وأذكر قوله: إذا مت فادّفني إلى جَنْبِ كَرْمة ــ وذكر البيت‏.
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال