تسجيل الدخول


زيد الحب بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن...

زيد بن حارثة بن شراحيل الكَلْبيّ، أبو أُسامة مولى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم:
يقال: إن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم سمّاه زيدًا لمحبةِ قُريش في هذا الاسم، وهو اسْمُ قصي، وكان زيد أبيض أحمر، وقيل: كان زيد رجلًا قصيرًا آدَمَ شديدَ الأدمة، في أنفه فَطَسٌ. وأُمّ زَيد بن حارثة: سُعْدى بنت ثعلبة بن عبد عامر من طَيِّئ، فزارت سُعدى أمّ زيد بن حارثة قومَها وزيد معها، فأغارت خيلٌ لبني القَيْن بن جَسْر في الجاهليّة فمرّوا على أبيات بني مَعْن رَهْط أمّ زيد، فاحتملوا زيدًا إذ هو يومئذ غلام يَفَعَة قد أوْصَفَ، فَوافوا به سوق عُكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه منهم حَكيم بن حِزام بن خُوَيلد لعمّته خَديجة بنت خُويلد بأربعمائة درهم، فلمّا تزوجها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وهبته له فقبضه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقد كان أبوه حارثة بن شراحيل حين فقده قال:
بَكَيْـتُ علـى زَيـْدٍ ولم
أدْرِ ما فَعَلْ أحَيٌّ فيُرْجَى أمْ أتـى دونـَه الأجلْ
فوالله ما أدري وَإنْ كنتُ
سـائِلًا أغالك سهل الأرض أم غالك الجبلْ
فياليتَ شعري هل لك الدهرَ رَجعةٌ فحَسْبي من الدنـيا رُجوعك لي بجلْ
تُذكّـرُنـيه
الشمسُ عنـد
طلوعِها َتَعْرِضُ
ذكـراهُ إذا
قارَبَ
الطّـفَلْ
وإنْ هَبّت الأرْوَاحُ هيّجْنَ
ذكـرَه فيا طولَ ما حـزْني عليـه وياوَجَلْ!
سَأُعْمِل نصّ العيس في الأرض جاهدًا ولا أسْأم
التطوافَ
أو تسأمَ الإبلْ
حَياتيَ
أوْ تأتـي
عَلَــيّ
مَنِيّتي وكـلّ امْرئٍ
فـانٍ
وَإن
غرّه الأملْ
وأُوصي بـــه قيسـًا وعَمــــرًا كِليْهِـما وأُوصي يزيـدًا ثمّ من بعدهم جبلْ
يعني: جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويعني يزيد أخا زيد لأمّه، وهو يزيد بن كَعب بن شَراحيل، حَجّ ناسٌ من كلْب فرأوا زَيدًا فعرفهم وعرفوه فقال: بلّغوا أهلي هذه الأبيات فإنّي أعلم أنهم قد جزعوا عليّ، وقال:
ألِكْني إلى قَوْمي
وإن كنتُ نائيًا بأنّي قطيـنُ البيْـت عند المشاعرِ
فَكُفّوا من الوَجد الّذي قد شجاكـمُ ولا تُعْمِلُوا في الأرض نَصّ الأَبـاعر
فإنّـي بحمد
الله في
خَيْر أسْرَةٍ كِرامِ
مَعَـدٍّ كـابرًا
بعْـدَ
كـابر
فانطلق الكلبيّون وأعلموا أباه فقال: ابْني وربّ الكعبة! ووصفوا له موضعه وعند مَن هو فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل بفِدائه، وقَدِما مكّة فسألا عن النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، فقيل هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد الله، يا ابن عبد المطّلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيّد قومه، أنتم أهلُ الحَرَم وجيرانُه وعند بيته تَفُكّون العانيَ وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنُنْ علينا وأحْسِن إلينا في فدائه فإنّا سنرفع لك في الفداء. قال: "مَن هو؟" قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: "فهلاّ غير ذلك؟" قالوا: ما هو؟ قال: "دَعُوه فخيّروه فإن اختاركم فهو لكما بغير فداءٍ، وإن اختارني فو الله ما أنا بالّذي أختار على مَن اختارني أحدًا"، قالا: قد زدتنا على النَّصَفِ وأحسنتَ، قال فدعاه فقال: "هل تعرف هؤلاء؟" قال: نعم. قال: "مَن هما؟" قال: هذا أبي وهذا عَمّي قال: "فأنا مَنْ قد علمتَ ورأيتَ صُحْبَتي لك فاخْترْني أو اخترهما"، فقال زيد: ما أنا بالّذي أختار عليك أحدًا، أنت منّي بمكان الأب والأم، فقالا: ويْحك يا زيد أتَختَار العبوديّة على الحرّيّّة وعلى أبيك وعمّك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيتُ من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالّذي أخْتار عليه أحدًا أبدًا. فلمّا رأى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ذلك أخرَجه إلى الحِجْر فقال: "يا من حَضَرَ، اشهدوا أنّ زَيْدًا ابني أرثُهُ ويرثني"، فلمّا رأى ذلك أبوه وعمّه طابت أنفسهما وانصرفا. فدُعيَ زيد: ابنُ محمّد حتّى جاء الله بالإسلام(*).
قال ابْن عُمَرَ: فرض عُمر لُأسامة أكثر مما فرض لي؛ فسألته، فقال: إنه كان أحبُّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منك؛ وإن أباه كان أحبَّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم مِنْ أبيك، وكان ابنه أسامة آدم شديد الأدْمَة، وروى هشام بن محمّد بن السّائب الكلبيّ عن أبيه، وعن شَرْقيّ بن قطاميٍّ وغيرهما قالوا: أقبلت أمّ كلثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيْط، وأمّها أرْوَى بنت كُرَيز بن ربيعة، وأمّها أمّ حَكيم وهي البيضاء بنت عبد المطّلب بن هاشم، مهاجرةً إلى النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، بالمدينة فخطبها الزّبير بن العوّام، وزيد بن حارثة، وعبدُ الرّحمن بن عوف، وعمرو بن العاص، فاستشارتْ أخاها لأمّها عثمان بن عفّان فأشار عليها أن تأتي النّبي صَلَّى الله عليه وسلم، فأتته فأشار عليها بزيد بن حارثة فتزوّجته فولدت له زيد بن زيد ورُقَيّةَ، فهلك زيد وهو صغير، وماتت رُقيّة في حجر عثمان، وطَلّق زيدُ بن حارثة أمّ كلثوم، وتزوّج دُرّة بنت أبي لهب، ثمّ طلّقها وتزوّج هند بنت العوّام أخت الزّبيرَ بن العوام، ثمّ زوّجه رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم، أمّ أيْمَنَ حاضنة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ومولاته وجعل له الجنّة، فولدت له أسامة، فكان يُكنى به.
قال الزهري: ما علمنا أحدًا أسلم قبل زيد بن حارثة، وقال أبو عمر: وقد رُوِي عن الزهري من وجوه أن أوّلَ من أسلم خديجة، وقال ابن إسحاق: إن عليًا بعد خديجة، ثم أسلم بعده زيد، ثم أبو بكر، وقال غيره: أبو بكر، ثم علي، ثم زيد ـــ رضي الله عنهم ـــ وقال عمران بن مَنّاح: لما هاجر زَيد بن حارثة إلى المدينة نزل على كُلثوم بن الهِدْم، وأما عاصم بن عمر بن قَتادة فقال: نزل على سعد بن خَيْثَمَة، وروى عبد الله بن جعفر عن ابن أبي عون وسعد بن إبراهيم، قال: وحدّثنا محمّد بن صالح عن عاصم بن عمر قالوا: آخَى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، بين زَيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطّلب، وآخَى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، بين زيد بن حارثة وأُسيد بن حُضَير، وقال اللّيث بن سعد:‏ بلغني أن زيْدَ بن حارثة اكْتَرَى من رجل بَغْلًا من الطّائف اشترط عليه الكرى أن يُنْزِله حيث شاء. قال:‏ فمال به إلى خربة، فقال له انزل. فنزل، فإذا في الخربة قَتْلَى كثيرة. فلما أراد أن يقتُله قال له:‏ دَعْني أصلّي ركعتين، قال:‏ صلّ‏.‏ فقد صلَّى قبلك هؤلاء فلم تنفعهم صلاتُهم شيئًا.‏ قال:‏ فلما صلّيت أَتاني ليقتلَني‏. قال‏:‏ فقلت: يا أَرحمَ الرّاحمين. قال:‏ ‏ فسمع صوتًا لا تقتُله‏. قال:‏ فهاب ذلك، فخرج يطلب فلم يرَ شيئًا، فرجع إليّ، فناديت‏: يا أَرحمَ الرّاحمين، ففعل ذلك ثلاثًا، فإِذاَنا بفارس على فرس في يده حَرْبةُ حديد، في رأسها شُعْلة من نار، فطعنه‏ بها. فأنفذه من ظهره، فوقع ميتًا، ثم قال لي: لما دعَوْت المرّةَ الأولى يا أرحم الراحمين كنتُ في السّماء السّابعة؛ فلما دعوْت في المرة الثّانية يا أَرحم الراحمين كنتُ في السّماء الدّنيا؛ فلما دعوْت في المرة الثالثة يا أَرحم الراحمين أَتيتُك‏، وقال عبد الله بن عمر: ما كنّا ندعوه إلا زيد بن محمّد حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ}، وروى البَراء بن عَازب أن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، قال لزيد بن حارثة في حديث ابنة حمزة: "أنْتَ أخونا ومولانا"(*)، وروى محمّد بن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، لزيد بن حارثة: "يا زيد أنتَ مولايَ ومني وإليّ وأحَبّ القَوْم إليّ"(*).
وكان رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أكبر من زيد بن حارثة بعشر سنين. ولم يقع في القرآن تسمية أحدٍ باسمه إلا هو باتفاق ثم السّجلّ إن ثبت، وعن ابْنِ عُمَرَ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: "وَايْمُ اللهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإمَارَةِ ـــ يعني زَيْد بن حارثة ـــ وَإِنْ كَانَ لِمَنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيّ."(*) أخرجه البخاري، وروى التِّرْمِذِيُّ وغيره من حديث عائشة، قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه حتى اعتنقه وقبّله.
شهد زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بدرًا وما بعدها واستخلفه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، على المدينة حين خرج النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، إلى المريسيع، وشَهِدَ الخَندقَ والحديبية وخيبر، وكان من الرماة المذكورين من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقال أبو الحُوَيْرث: خرج زيد بن حارثة أميرَ سبع سرايا أوّلها القَرَدَةُ، فاعترض للعير فأصابوها وأفلت أبو سفيان بن حرب وأعيان القوم، وأُسر فُرات بن حَيّان العِجْلي يومئذ، وقدم بالعِير على النبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، فَخَمّسَها، وقال سَلَمَة ابن الأكْوَع: غَزَوْتُ مع رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، سبع غزوات ومع زيد بن حارثة تسع غزوات يُؤمّرُهُ رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم، علينا(*). وقالت عائشة: ما بعث رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، زيدَ بن حارثة في جيش قطّ إلا أمّرَهُ عليهم ولو بقي بعده استخلفه(*). وقال محمّد بن عمر: أوّل سريّة خرج فيها زيدٌ سريّته إلى القَرَدَة، ثمّ سريّته إلى الجَموم، ثمّ سريّته إلى العِيص، ثمّ سريّته إلى الطَّرَف، ثمّ سَريّته إلى حِسْمي، ثمّ سريّته إلى أُمّ قِرْفَة.
وروى أسامة بن زيد بن حارثة، عن أبيه، عن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أنَّ جبريل عليه السلام أتاه فعلمه، الوضوء والصلاة، فلما فرغ الوضوء أخذ غرفة فنضح بها فرجه، ولزيد بن حارثة رواية في الصحيح عن أنس عنه في قصة زينب بنت جَحْش، وروى عنه أَنس، والبراء بن عازب، وابن عبّاس، وابنه أُسامة بن زيد، وأَرسل عنه جماعة من التّابعين.
قال أبو قتادة الأنصاريّ فارسُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم: بعث رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم، جيشَ الأمراء فقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أُصيب زيدٌ فجعفر بن أبي طالب، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رَواحة"، قال فوثب جعفر فقال: يا رسول الله ما كنْتُ أرْهَبُ أن تستعمل عليّ زيدًا، فقال: "أمْضه فإنّك لا تدري أيّ ذلك خير"(*). ولما أتى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم خبرُ قتل جعفر، وزيد بكى، وقال: "أخواي ومُؤْنِساي ومُحدِّثاي".(*) وقال خالد بن سُمَيْر: لما أُصيب زيد بن حارثة أتاهم النّبيّ صَلَّى الله عليه وسلم، قال فَجَهَشَتْ بنت زيد في وجه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فبكى رسولُ الله صَلَّى الله عليه وسلم، حتى انتحب فقال له سعد بن عُبادة: يا رسولَ الله ما هذا؟ قال: "هذا شوق الحبيب إلى حبيبه"(*). وعقد له رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، على النّاس في غزوة مُؤتَةَ وقَدَّمَهُ على الأمراء، فلمّا التقى المسلمون والمشركون كان الأمراء يقاتلون على أرجلهم فأخذ زيد بن حارثة اللّواء فقاتل وقاتل الناسُ معه، والمسلمون على صفوفهم، فقُتل زيد طعنًا بالرماح شهيدًا فصلّى عليه رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقال: "استغفروا له وقد دخل الجنّة وهو يسعى"(*). وكانت مُؤتَةُ في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة، وقُتل زيد يومئذ وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقال أبو ميسرة: لمّا بلغ رسولَ الله صَلَّى الله عليه وسلم، قتلُ زيد بن حارثة وجعفرٍ وابن رَواحة قام نبيّ الله صَلَّى الله عليه وسلم، فذكر شأنهم فبَدَأ بزيد فقال: "اللّهمّ اغفر لزيد، اللّهمّ اغفر لزيد، اللّهمّ اغفر لزيد، اللّهمّ اغفر لجعفر ولعبد الله بن رَواحة"(*).
الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال