تسجيل الدخول

موقف أهل السنة مما دار بين الصحابة بعد مقتل عثمان موقف أهل السنة مما دار بين الصحابة بعد مقتل عثمان:
يقول الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمة كتاب "العواصم من القواصم" للقاضي أبي بكر بن العربي: ونحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وكل من ادعى العصمة لأحد بعد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، فهو كاذب، فالإنسان إنسان يصدر عنه ما يصدر عن الإنسان؛ فيكون منه الحق والخير، ويكون منه الباطل والشر، وقد يكون الحق والخير في إنسان بنطاق واسع فَيُعَدُ من أهل الحق والخير، ولا يمنع هذا من أن تكون له هفوات، وقد يكون الباطل والشر في إنسان آخر بنطاق واسع، فَيُعَدُ من أهل الباطل والشر، ولا يمنع هذا من أن تبدر منه بوادر صالحات في بعض الأوقات، فيجب على من يتحدث عن أهل الحق والخير إذا علم لهم هفوات، ألا ينسى ما غلب عليهم من الحق والخير فلا يُنكِر ذلك كله من أجل تلك الهفوات، ويجب على من يتحدث عن أهل الباطل والشر إذا علم لهم بوادر صالحات، ألا يُوهِمَ الناس أنهم من الصالحين، من أجل تلك الشوارد الشاذة من أعمالهم الصالحات، وإن أحداث المائة الأولى من عصور الإسلام كانت من معجزات التاريخ، والعمل الذي عمله أهل المائة الأولى من ماضينا السعيد لم تعمل مثله أمةُ الرومان ولا أمة اليونان قبلها، ولا أمة من أمم الأرض بعدها، وأما أبو بكر وعمر وسائر الخلفاء الأربعة الراشدين، وإخوانهم من العشرة المبشرين بالجنة، وطبقتهم من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، خصوصا الذين لازموه وراقبوه وتمتعوا بجميل صحبته ــ من أنفق منهم من قبل الفتح وقاتل، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا ــ فإنهم جميعا كانوا شموسا طلعت في سماء الإنسانية مرة، ولا تطمع الإنسانية بأن تطلع في سمائها شموس من طرازهم مرة أخرى؛ إلا إذا عزم المسلمون على أن يرجعوا إلى فطرة الإسلام، ويتأدبوا بأدبه من جديد، فيخلق الله منهم خلقا آخر يعيش للحق والخير، ويجاهد الباطل والشر، حتى تعرف الإنسانية طريقها الحقيقي إلى السعادة، وهذه الشموس من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم تتفاوت أقدارها، وتتباين في أنواع فضائلها، إلا أنها كلها كانت من الفضائل في مرتقى درجاتها، وإذ بدأ المشتغلون بتاريخ الإسلام من أفاضل المسلمين في تمييز الأصيل عن الدخيل من سيرة هؤلاء الأفاضل العظماء، فإنهم ستأخذهم الدهشة لما اخترعه إخوان أبي لؤلؤة، وتلاميذ عبد الله بن سبأ، والمجوس الذين عجزوا عن مقاومة الإسلام وجها لوجه في قتال شريف، فادعوا الإسلام كذبا، ودخلوا قلعته مع جنوده خلسة، وقاتلوهم بالسلاح، والصحابة كانوا أسمى أخلاقا وأصدق إخلاصا لله وترفعا عن خسائس الدنيا من أن يختلفوا للدنيا، لكن كان في عصرهم من الأيدي الخبيثة التي عملت على إيجاد الخلاف، وتوسيعه مثل الأيدي الخبيثة التي جاءت فيما بعد فصورت الوقائع بغير صورتها، ولما كان أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم هم قدوتنا في ديننا، وهم حملة الكتاب الإلهي والسنة المحمدية إلى الذين حملوا عنهم أماناتها، حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرة حفظتها الأولين كل ما ألصق بهم من إفك ظلما وعدوانا، لتكون صورتهم التي تُعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فتَحْسُن القدوة بهم، وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم، وقد اعْتُبِرَ في التشريع الإسلامي أن الطعن فيهم طعن في الدين الذي هم رواته، وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها، وتشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة، وأول نتائجه: حرمان شباب الجيل، وكل جيل بعده، من القدوة الصالحة التي مَنَّ الله بها على المسلمين ليتأسوا بها، ويواصلوا حمل أمانات الإسلام على آثارها، ولا يكون ذلك إلا إذا ألموا بحسناتهم، وعرفوا كريم سجاياهم، وأدركوا أن الذين شوهوا تلك الحسنات، وصوروا تلك السجايا بغير صورتها؛ إنما أرادوا أن يسيئوا إلى الإسلام نفسه بالإساءة إلى أهله الأولين، وقد آن لنا أن ننتبه من هذه الغفلة، فنعرف لسلفنا أقدارهم، لنسير في حاضرنا على هدى ونور من سيرتهم الصحيحة، وسريرتهم النقية الطاهرة.
ويقول الشيخ عبد الله بن عبد الحميد الأثري في كتاب "الوجيز في عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة": ومن أُصول عقيدة السلف الصالح ــ أَهل السنة والجماعة: حُب أَصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم، وسلامة قلوبهم وأَلسنتهم تجاههم؛ لأَنهم كانوا أكمل الناس إِيمانا، وإحسانا، وأَعظمهم طاعة وجهادا، وقد اختارهم الله واصطفاهم لصحبة نبيه صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد امتازوا بشيء لم يستطع أَن يدركه أَحد ممن بعدهم مهما بلغ من الرفعة؛ أَلا وهو التشرف برؤية النَّبي صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم، ومعاشرته، فالصحابة الكرام كلهم عُدولٌ بتعديل الله ورسوله لهم، وهم أَولياءُ الله وأصفياؤه، وخيرته من خلقه، وهم أَفضل هذه الأُمة بعد نبيها صَلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "العقيدة الوسطية": ويمسكون ــ يعني: أهل السنة ــ عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه، والصحيح منها هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى أنهم يُغفر لهم من السيئات ما لا يُغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم، وقد ثبت بقول رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أنـهم خير القرون، وأن المُدَّ من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر عن أحد منهم ذنب فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غُفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمد صَلَّى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو اُبتلي ابتلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور،
ثم إن القدر الذي يُنكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم، ومحاسنهم من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "شرح العقيدة الوسطية": فالصحابة رضي الله عنهم وقعت بينهم بعد مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه نزاعات، واشتد الأمر بعد مقتل عثمان، فوقع بينهم ما وقع، مما أدى إلى القتال، وهذه القضايا مشهورة، وقد وقعت بلا شك عن تأويل واجتهاد كل منهم يظن أنه على حق، ولا يمكن أن نقول: إن عائشة، والزبير بن العوام، وطلحة قاتلوا عليًّا رضي الله عنهم أجمعين وهم يعتقدون أنهم على باطل، وأن عليا على حق، واعتقادهم أنهم على حق لا يستلزم أن يكونوا قد أصابوا الحق؛ ولكن إذا كانوا مخطئين، ونحن نعلم أنهم لن يقدموا على هذا الأمر إلا عن اجتهاد، فإنه ثبت عن النبي صَلَّي الله عليه وسلم أنه قال: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر" رواه البخاري، ومسلم. فنقول: هم مجتهدون مخطئون، فلهم أجر واحد.
وهذا الذي حصل موقفنا منه له جهتان: الجهة الأولى: الحكم على الفاعل، والجهة الثانية: موقفنا من الفاعل.
أما الحكم على الفاعل: فقد سبق، وأن ما ندين الله به أن ما جرى بينهم، فهو صادر عن اجتهاد، والاجتهاد إذا وقع فيه الخطأ، فصاحبه معذور مغفور له.
وأما موقفنا من الفاعل: فالواجب علينا الإمساك عما شجر بينهم، لماذا نتخذ من فعل هؤلاء مجالًا للسب والشتم والوقيعة فيهم والبغضاء بيننا؟ونحن في فعلنا هذا إما آثمون، وإما سالمون، ولسنا غانمين أبدا، فالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جرى بين الصحابة، وأن لا نطالع الأخبار أو التأريخ في هذه الأمور، إلا المراجعة للضرورة.
ثم يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: وقسّم المؤلف ــ يعني ابن تيمية في كتاب "العقيدة الوسطية" ــ الآثار المروية في مساويهم ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما هو كذب محض لم يقع منهم، وهذا يوجد كثيرًا فيما يرويه النواصب في آل البيت وما يرويه الروافض في غير آل البيت.
القسم الثاني: شيء له أصل، ولكن زِيْدَ فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، وهذان القسمان كلاهما يجب رده.
القسم الثالث: ما هو صحيح، فماذا نقول فيه؟ بينه المؤلف بقوله: "والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون"، والمجتهد إن أصاب، فله أجران، وإن أخطأ، فله أجر واحد، فما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما صادر عن اجتهاد وتأويل، ولكن لا شك أن عليا أقرب إلى الصواب فيه من معاوية، بل قد نكاد نجزم بصوابه، إلا أن معاوية كان مجتهدًا، ويدل على أن عليا أقرب إلى الصواب أن النبي صَلَّى الله عليه وسلم قال: "ويح عمارٍ تقتله الفئة الباغية" رواه البخاري ومسلم. فكان الذي قتله أصحاب معاوية، وبهذا عرفنا أنها فئة باغية خارجة على الإمام، لكنهم متأولون، والصواب مع علي، إما قطعًا، وإما ظنًا.
وهناك قسم رابع: وهو ما وقع منهم من سيئات حصلت لا عن اجتهاد ولا عن تأويل: فبينه المؤلف بقوله: "وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره" وذلك لقوله صَلَّي الله عليه وسلم: " كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" رواه الإمام أحمد في "المسند"، ولكن الواحد منهم قد يفعل شيئًا من الكبائر، كما حصل من مسطح بن أثاثه، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش في قصة الإفك كما رواه البخاري ومسلم، ولكن هذا الذي حصل تطهروا منه بإقامة الحد عليهم.
فالواجب على المسلمين الترضّي عنهم، وطلب العذر لهم، والدفاع عنهم، فمذهب أهل السنة والجماعة: أنهم لا يتدخلون فيما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم؛ لما لهم من الفضل والسابقة؛ ولقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" لفضلهم، فمن تدخل فيما حصل بين الصحابة وصار في قلبه شيء، فهذا زنديق، فأما من قال: نتدخل فيما حصل بين الصحابة من باب البحث، فهذا خطر عظيم ولا يجوز، ولذلك لما سُئل عمر بن عبد العزيز عما حصل بين الصحابة قال: "أولئك قوم طهّر الله أيدينا من دمائهم، فيجب أن نطهر ألسنتنا من أعراضهم"، وقال عليه الصلاة والسلام: "هل أنتم تاركو لي أصحابي؟". فلا نتدخل فيما حصل بين الصحابة؛ لأنه من مقتضى الإيمان، ومن مقتضى النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المسلمين وخاصتهم، فما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم إما أن يكون عمل أحدهم سعيًا مشكورًا، أو ذنبًا مغفورًا، أو اجتهادًا قد عُفِيَ لصاحبه عن الخطأ فيه، فلهذا كان من أصول أهل العلم: أنه لا يمكن أحد من الكلام في هؤلاء بكلام يقدح في عدالتهم، وديانتهم، بل يعلم أنهم عدول مرضيون، لا سيما والمنقول عنهم من العظائم كذب مفترى.
ومن كل ما سبق نخلص إلى أنَّ الإمساك عما شجر بين الصحابة خيرٌ من الخوض في ذلك بغير علم بحقيقة الأحوال، فمن سلك سبيل أهل السنة استقام قوله، وكان من أهل الحق، والاستقامة، والاعتدال، وإلا وقع في جهل، وكذب، وتناقض. ونحن نحب أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، ولا نذكرهم إلا بخير؛ لأن حبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وطغيان، ونثبت الخلافة بعد رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أولًا لأبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم لعثمان رضي الله عنه، ثم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون.
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وقوله الحق وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح وهو أمين هذه الأمة رضي الله عنهم أجمعين. كما نخلص ــ أيضًا ــ إلى أن مَن أحسنَ القول في أصحاب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم الكرام، وأزواجه الطاهرات، وذرياته الأبرار، فقد أحسن العمل، وأبعد دينه عن التهم.

الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال