تسجيل الدخول

ثبوت الكرامة ثبوت الكرامة بالقرآن، والسنة، والواقع:
اقتضت حكمة الله تعالى أن يؤيد أنبيائه، ورسله، بالمعجزات، الدالة على صدقهم في دعوى النبوة؛ لئلا يكون للناس على الله حجة. كما جعل الله لأوليائه كرامات من جنس ما أيد به رسله؛ تأييدًا لهم، وإظهارا لفضلهم، وبيانا لمكانتهم. وقد حدثنا القرآن الكريم، والسنة المطهرة، وسير الصحابة، والتابعين، وغيرهم عن أمثلة عديدة تثبت وقوع الكرامات لأولياء الله تعالى، مما يدل على رعاية الله سبحانه لعباده الصالحين، وحفظه لهم في السراء والضراء، وإعانتهم على الالتزام بأوامره، ويدل ــ كذلك ــ على أن الله سبحانه قد خرق لهم نواميس الكون، وأظهر لهم الأعاجيب؛ تثبيتًا لإيمانهم، وتأييدًا لهم في الشدائد والمحن. ولم لا؟! فهم عباده المخلصون، وجنده الأخيار؛ الذين آمنوا به، واتبعوا رسله، قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْأَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة يونس: 62: 64].
أولًا: القرآن الكريم:ــ
الكرامات التى تحدث عنها القرآن الكريم، كثيرة؛ نذكر منها الأمثلة الآتية:
نشأة مريم عليها السلام:
قال الله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنـَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].
قصَّ علينا الله تعالى ما كان من امرأة عمران؛ فقد نذرت له سبحانه ما في بطنها، وحررته لعبادته، وخدمة بيته، وقد تقبل الله نذرها بقبول حسن، مع أنها ولدت أنثى، فقد كان لا يُقبل لخدمة بيت المقدس إلا الذكور، وأنبتها الله نباتًا حسنًا، وحفظها من كل سوء، وضمها إلى زكريا عليه السلام؛ ليكفلها، ويقوم على رعايتها.
قال ابن كثير في تفسيره: أخبر سبحانه وتعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} قال عكرمة وغيره: يعني: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، وعن مجاهد {وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا} أي: علما، أو قال: صحفًا فيها علم؛ رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء.
وقال القشيري في تفسيره: "قوله جلّ ذكره: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ}: مِنْ إمارات القبول الحسن، أنها لم تكن تُوجد إلا في المحراب، ومن كان مسكنه وموضعه الذي يتعبَّدُ فيه المحراب، فذلك عَبْدٌ عزيز. ويقال: مِنَ القبول الحسن أنه لم يطرح أمرَها كُلَّه وشُغْلها على زكريا عليه السلام؛ فكان إذا دخل عليها زكريا ليتعهدها بطعام، وَجَدَ عندها رزقًا، لِيَعْلَمَ العاملون أن الله سبحانه لا يُلْقِي شُغْلَ أوليائه على غيره.
ثم كان زكريا عليه السلام يقول: {أَنـَّى لَكِ هَذَا} لأنه لم يكن يعتقد فيها استحقاق تلك المنزلة، وكان يخاف أن غيره يغلبه، وينتهز فرصة تعهدها، ويسبقه بكفاية شُغْلها، فكان يسأل ويقول: {أَنـَّى لَكِ هَذَا} ومن أتاكِ به؟ وكانت مريم تقول: هو من عند الله لا من عند مخلوق، فيكون لزكريا فيه راحتان: إحداهما: شهود مقامها وكرامتها عند الله تعالى، والثانية: أنه لم يغلبه أحد على تعهدها، ولم يُسبق به.
وقوله: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ} فلفظة كلَّما للتكرار. وفي هذا إشارة: وهو أن زكريا عليه السلام لم يَذَرْ تَعهُّدَها ــ وإنْ وجد عندها رزقًا ــ بل كل يومٍ وكل وقتٍ كان يتفقد حالها؛ لأن كراماتِ الأولياء ليست مما يجب أن يدوم قطعًا؛ فيجوز أن يُظهِرَ الله ذلك عليهم دائمًا، ويجوز ألا يظهر، فما كان زكريا عليه السلام يعتمد على ذلك، فيترك تفقد حالها. ثم كان يُجَدِّدُ السؤال عنها بقوله: {يَا مَرْيَمُ أَنـَّى لَكِ هَذَا}؟ لجواز أن يكون الذي هو اليوم، لا على الوجه الذي كان بالأمس، فإنه لا واجب على الله سبحانه. وقوله: {إِنَّ اللَّهَ يرزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} إيضاح عن عين التوحيد، وأن رزقه سبحانه للعباد، وإحسانه إليهم، بمقتضى مشيئته، دون أن يكون مُعَلَّلًا بطاعاتهم، ووسيلة عباداتهم".
ولادة مريم لعيسى عليهما السلام:
قال تعالى: {فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا. فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا. فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا} [سورة مريم، الآيات 22: 33]
يخبرنا الله سبحانه وتعالى أن السيدة مريم بعد أن حملت بعيسى عليه السلام، ابتعدت به عن قومها؛ مخافة أن تُتَّهمَ بسوء، ولما حان وقت ولادتها، وأعياها التعب، ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، لتتكئ عليه.
وقد اشتملت قصة ولادة السيدة مريم لعيسى عليهما السلام على كرامات عدة؛ منها: أن الله سبحانه قد أجرى لها النهر الجاف بالماء العذب، وأنبت لها الجذع اليابس بالرطب الطري، وأنطق لها عيسى في مهده؛ تأكيدًا علي عبوديته لله سبحانه، وتبرئةً لها مما قُذِفت به من فاحشة، وإرهاصًا بنبوته عليه السلام.
قال الإمام أبو السعود في تفسيره: "قوله تعالى: {فَنَادَاهَا} أي: جبريلُ عليه السلام {مِن تَحْتِهَا} قيل: إنه كان يقبل الولد، وقيل: {مِن تَحْتِهَا} أي: من مكان أسفلَ منها تحت الأكمة، وقيل: من تحت النخلة، وقيل: ناداها عيسى عليه السلام، {أَلَّا تَحْزَنِي} أي: لا تحزني {قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ} أي: بمكان أسفل منك {سَرِيًّا} أي نهرًا صغيرًا حسبما روي مرفوعًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن جبريلَ عليه السلام ضرب برجله الأرضَ فظهرت عينُ ماء عذبٍ فجرى جدْولًا. وقيل: فعله عيسى عليه السلام. وقيل: كان هناك نهر يابسٌ أجرى الله عز وجل فيه الماءَ حينئذ كما فعل مثلَه بالنخلة، فإنها كانت نخلةً يابسة لا رأسَ لها ولا ورق فضلًا عن الثمر وكان الوقت شتاءً، فجعل الله لها إذ ذاك رأسًا وخُوصًا وثمرًا، وقيل: كان هناك ماءٌ جارٍ. والأول هو الموافقُ لمقام بيان ظهورِ الخوارق، والمتبادرُ من النظم الكريم.
قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ} أي إلى جهتك {تُسَاقِطْ عَلَيْكِ} أي: تُسقِطِ النخلة {رُطَبًا جَنِيًّا} أي: طريًا طيبًا {فَكُلِي وَاشْرَبِي} أي: ذلك الرطبَ وماءَ السَّريِّ {وَقَرِّي عَيْنًا} وطِيبي نفسًا وارفضي عنها ما أحزنك وأهمك؛ فإنه تعالى قد نزّه ساحتَك عما اختلج في صدور الناس".
وقال ابن عاشور في تفسيره: قوله: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} أن يكون إثمار الجذع اليابس، رُطبًا، ببركة تحريكها إياه، فذلك كرامة لها.
وقال ابن كثير في تفسيره: قوله: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أي: إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها، وقالوا لها ما قالوا، معرضين بقذفها ورميها بالفرْية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانِّين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: {كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}، قال السدي: لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لَسُخْريَتُها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي، أشد علينا من زناها. {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} أي: مَنْ هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟
وقال الألوسي في تفسيره: "قوله تعالى: {قَالَ} استئناف مبني على سؤال نشأ من سياق النظم الكريم، كأنه قيل: فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل: قال عيسى عليه السلام {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ}. رُوي أنه عليه السلام كان يرضع، فلما سمع ما قالوا؛ ترك الرضاع، وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره، وأشار بسبابته، فقال ما قال. وقيل: إن زكريا عليه السلام أقبل عليه يستنطقه، فقال ذلك، وذكر عبوديته لله تعالى أولًا؛ لأن الاعتراف بذلك على ما قيل، أول مقامات السالكين، وفيه رد على من يزعم ربوبيته. وفي جميع ما قال، تنبيه على براءة أمه، لدلالته على الاصطفاء، والله سبحانه أجلُّ من أن يصطفي ولد الزنا، وذلك من المسلمات عندهم، وفيه من إجلال أمه عليهما السلام ما ليس في التصريح، وقيل: لأنه تعالى لا يخص بولد موصوف بما ذكر إلا مبرأة مصطفاة.
واختُلِفَ في أنه بعد أن تكلم بما ذُكِرَ، هل بقي يتكلم كعادة الرجال، أو لم يتكلم حتى بلغ مبلغًا يتكلم فيه الصبيان؟ وعَدُّه عليه السلام في عِداد الذين تكلموا في المهد ثم لم يتكلموا إلى وقت العادة، ظاهرٌ في الثاني".
قصة أصحاب الكهف:
قال الله تعالى يصف حال أصحاب الكهف: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا} [سورة الكهف: 17].
يقص الله سبحانه علينا قصة أصحاب الكهف، وهم فتية آمنوا بربهم، وخافوا أن يُغلبوا على أمرهم، ويُرَدُّوا إلى الكفر بعد أن أنقذهم الله منه، فخرجوا من القرية، واعتزلوا قومهم، مُهاجرين بدينهم، فيسر الله لهم غارًا في الجبل، وضرب على آذانهم حجابًا ثقيلًا مانعًا من السماع، فصاروا لا يسمعون شيئًا يوقظهم، واستمروا في هذا النوم العميق ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعًا.. يقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال.. في الصيف، وفي الشتاء.. لا يزعجهم الحر، ولا يؤلمهم البرد.. ما جاعوا، وما عطشوا.. ولم تتغير أجسادهم.. فهذه كرامة بلا شك، وقد بقوا هكذا حتى بعثهم الله، وقد زال الشرك عن هذه القرية، فسلموا من شركهم.
قال الإمام الألوسي في تفسيره: قوله: {وَتَرَى الشَّمْسَ}: بيان لحالهم بعد ما أووا إلى الكهف، والمراد: لو رأيت الكهف لرأيت الشمس تميل عنه ذات اليمين وذات الشمال. وقوله {تَّزَاوَرُ}: من الزور بمعنى الميل. ومعنى {تَّقْرِضُهُمْ}: تقطعهم وتتجاوزهم وتتركهم.
وقال الإمام الرازي في "مفاتيح الغيب": قوله: {تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ} أي: تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال. وللمفسرين هنا قولان:ـ
القول الأول: أن باب ذلك الكهف كان مفتوحًا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله. فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل، والمقصود: أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد.
والقول الثاني: أنه ليس المراد ذلك، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله ضوء الشمس من الوقوع، وكذا القول حال غروبها. وكان ذلك فعلًا خارقًا للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله: {ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ}، قال: ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمرًا معتادًا مألوفًا فلم يكن ذلك من آيات الله، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني، كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات الله، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء، قال: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} أي من الكهف، والفجوة متسع في مكان.
وجاء في التفسير الوسيط تعليقًا على قول الإمام الرازي: ومع وجاهة الرأيين، إلا أن النفس أميل إلى الرأي الثاني؛ لأن قوله تعالى: {وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ} يشير إلى أنهم مع اتساع المكان الذي ينامون فيه، وهو الفجوة، لا تصيبهم الشمس، لا عند الطلوع، ولا عند الغروب، وهذا أمر خارق للعادة، ويدل على عجيب حالهم، كما أن قوله تعالى بعد ذلك: {ذَلِكَ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ} يُشْعِر بأن أمر هؤلاء الفتية فيه غرابة، وليس أمرًا عاديًا مألوفًا.
وقال القشيري في تفسيره: لما اعتزلوا ما عُبِدَ من دون الله، آواهم الحقُّ إلى كنف رعايته، ومهد لهم مثوىً في كهف عنايته. ويقال: مَنْ تبرَّأ مِنَ اختياره في احتياله، وصدق رجوعه إلى الله في أحواله، ولم يستَعِنْ بغير الله من أشكاله وأمثاله، آواه إلى كَنَفِ أفضاله، وكفاه جميع أشغاله، وهيَّأ له مَحَلًا يتفيؤ فيه بَرْد ظِلالِه، بكمالِ إقباله.
ثانيًا: السنة النبوية:ــ
وردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة، تتحدث عن وقوع كرامات من الله سبحانه لعباده المتقين، وهي في معظمها ترتبط بأخبار الصالحين من الأمم السابقة، وليس في ذلك قصرًا لوقوعها على مَنْ سبق، وإنما هو إثبات لجواز وقوع الكرامات لعباد الله سبحانه، في أي زمان ومكان؛ تشريفًا لهم، وتأييدًا. ومن هذه الأحاديث:ــ
مَا رَوَاه ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ، إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ، فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنْجِيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ، فَليَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ. فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ، فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ، وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ، فَزَرَعْتُهُ، فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا، وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ، فَسُقْهَا. فَقَالَ لِي: إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ. فَقُلْتُ لَهُ: اعْمِدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ، فَسَاقَهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ. فَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ آتِيهِمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي، فَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِمَا لَيْلَةً، فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا، وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجُوعِ، فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاحَتْ عَنْهُمْ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ، مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ، فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا، فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا. فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَقَالَتْ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَخَرَجُوا".
بيَّنَ هذا الحديث الشريف ما كان من أمر النفر الثلاثة؛ الذين حاصرتهم الصخرة، ولم يجدوا وسيلة للخروج إلا أن يدعوا الله سبحانه بصالح أعمالهم؛ حتى يفرج الله عنهم ما هم فيه. وقد دلت أعمال النفر الثلاثة على فضل الأمانة، وحفظ حقوق الناس، وعلي بر الوالدين، والإحسان إليهما، كما دلت على فضل العفة، والبعد عن الفواحش، وعمَّا حرم الله تعالى.
ولا شك أن هذه الأعمال، تأتي في مقدمة الأعمال الصالحة؛ التي تُسْتَمْطَرُ بها رحماتُ الله، وتُفَرَّجُ بها الكرب والشدائد. وقد أزاح الله عنهم الصخرة، وأظهر لهم كرامته، فكان ذلك دليلًا على صدق أعمالهم، التي تقربوا بها إلى الله تعالى.
قال ابن حجر في "فتح الباري": "في هذا الحديث استحباب الدعاء في الكرب، والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل، واستنجاز وعده بسؤاله. واستنبط منه بعض الفقهاء، استحباب ذكر ذلك في الاستسقاء، واستشكله المحب الطبري؛ لما فيه من رؤية العمل، والاحتقار عند السؤال في الاستسقاء، أولى؛ لأنه مقام التضرع، وأجاب عن قصة أصحاب الغار؛ بأنهم لم يستشفعوا بأعمالهم، وإنما سألوا الله إن كانت أعمالهم خالصة، وقُبِلَتْ، أن يجعل جزاءها الفرج عنهم، فتضمن جوابه تسليم السؤال، لكن بهذا القيد، وهو حسن. وقد تعرض النووي لهذا، فقال في كتاب الأذكار: "باب دعاء الإنسان وتوسله بصالح عمله إلى الله" وذكر هذا الحديث، ونقل عن القاضي حسين وغيره، استحباب ذلك في الاستسقاء، ثم قال: وقد يقال إن فيه نوعًا من ترك الافتقار المطلق، ولكن النبي صَلَّى الله عليه وسلم أثنى عليهم بفعلهم، فدل على تصويب فعلهم.
وقال السبكي الكبير: ظهر لي أن الضرورة قد تلجئ إلى تعجيل جزاء بعض الأعمال في الدنيا، وأن هذا منه. ثم ظهر لي، أنه ليس في الحديث رؤية عمل بالكلية؛ لقول كل منهم: "إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك" فلم يعتقد أحد منهم في عمله الإخلاص، بل أحال أمره إلى الله. فإذا لم يجزموا بالإخلاص فيه، مع كونه أحسن أعمالهم، فغيره أولى. فيستفاد منه: أن الذي يصلح في مثل هذا، أن يعتقد الشخص تقصيره في نفسه، ويسيء الظن بها، ويبحث على كل واحد من عمله يظن أنه أخلص فيه فيفوض أمره إلى الله ويعلق الدعاء على علم الله به؛ فحينئذ يكون إذا دعا، راجيًا للإجابة، خائفا من الرد. فإن لم يغلب على ظنه إخلاصه، ولو في عمل واحد، فليقف عند حده، ويستحي أن يسأل بعمل ليس بخالص". ثم قال ابن حجر: وفيه فضل العفة، والانكفاف عن الحرام مع القدرة. وأن ترك المعصية، يمحو مقدمات طلبها، وأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها. وفيه فضل أداء الأمانة، وإثبات الكرامة للصالحين.
ما رواه أَبو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ؛ عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ، حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ. وَكَانَتْ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ، ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ. ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الْأَمَةُ، يَقُولُونَ: سَرَقْتِ زَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ".
ذكر النبي صَلَّى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه لم يتكلم في المهد، إلا ثلاثة أشخاص:ــ
الأول: عيسى عليه السلام، وتقدم الحديث عنه في ولادته.
الثاني: جُريج؛ وكانت أمه قد دعته حين كان يصلي، فلم يجبها، فدعت عليه ألا يموت حتى يرى وجوه المومسات، فاتهمته امرأة بأنه زنى بها، وأنجبت منه غلامًا. فكان من كرامة الله لجريج أن أنطق له الغلام؛ فشهد أنه ليس أباه، وإنما هو من الراعي، فبرأه بذلك مما نسب إليه من الفاحشة.
قال ابن حجر: "في هذا الحديث، إيثار إجابة الأم على صلاة التطوع؛ لأن الاستمرار فيها نافلة، وإجابة الأم وبرُّها واجب، قال النووي وغيره: "إنما دعت عليه، فأُجِيبَت؛ لأنه كان يمكنه أن يُخَفِّفَ ويجيبها".
وفيه أن صاحب الصدق مع الله، لا تضره الفتن، وفيه قوة يقين جريج، وصحة رجائه؛ لأنه استنطق المولود مع كون العادة أنه لا ينطق، ولولا صحة رجائه بنطقه، ما استنطقه. وفيه أن الأمرين إذا تعارضا بُدِئَ بأهمهما، وأن الله يجعل لأوليائه عند ابتلائهم مخارج، وإنما يتأخر ذلك عن بعضهم في بعض الأوقات؛ تهذيبا، وزيادة لهم في الثواب. وفيه إثبات كرامات الأولياء، ووقوع الكرامة لهم باختيارهم وطلبهم".
الثالث: الرضيع الذي كلم أمه؛ وكانت قد دعت الله أن يجعله مثل رجل عظيم من بني إسرائيل، فنطق الغلام ألا يستجيب الله لها. ثم دعت أمه ألا يكون مثل المرأة؛ التي كانت تُتَّهَم ويُسْتَهْزَأ بها، فنطق الغلام، ودعا الله أن يكون مثلها؛ أي: أن يكون سالمًا من المعاصي، كما هي سالمة، وبريئة من التهم. فكان نطقه كرامة؛ فقد عرف أمه أن النجاة لمن خلصت سرائرهم، لا لمن حسنت ظواهرهم، فثبتت الأم بذلك على الإيمان.
وقد عقب ابن حجر على دعاء المرأة أن يجعل الله ابنها مثل الرجل العظيم، وكراهيتها أن يكون مثل الأَمَة، فقال: في الحديث، أن نفوس أهل الدنيا تقف مع الخيال الظاهر، فتخاف سوء الحال، بخلاف أهل التحقيق، فوقوفهم مع الحقيقة الباطنة، فلا يبالون بذلك مع حسن السريرة. كما قال تعالى حكاية عن أصحاب قارون حيث خرج عليهم: {يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ} [القصص:79]، {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابَ اللَّهِ خَيْرٌ} [القصص:80]. وفيه أن البشر طُبِعوا على إيثار الأولاد على الأنفس بالخير، لطلب المرأة الخير لابنها، ودفع الشر عنه، ولم تذكر نفسها.
ثالثًا: ما وقع للصحابة وغيرهم من كرامات:ــ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": أولياء الله المتقون، هم المقتدون بمحمد صَلَّى الله عليه وسلم؛ فيفعلون ما أمر به، وينتهون عما زجر عنه، ويقتدون به فيما بَيَّن لهم أن يتبعوه فيه؛ فيؤيدهم الله بملائكته، وروح منه، ويقذف في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات، التي يكرم الله بها أولياءه المتقين. وتكون كراماتهم لحجة في الدين، أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم صَلَّى الله عليه وسلم كذلك.
وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله صَلَّى الله عليه وسلم، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول صَلَّى الله عليه وسلم؛ مثل: انشقاق القمر، وتسبيح الحصى في كفه، وإتيان الشجر إليه، وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس، وإخباره بما كان وما يكون، وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أُشبع العسكر في الخندق من قدر طعام وهو لم ينقص، في حديث أم سلمة المشهور، وأَروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفًا، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة، حتى كفى الناس الذين كانوا معه، كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة، ورده لعين أبي قتادة حين سالت على خده، فرجعت أحسن عينيه، ولما أرسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف، فوقع وانكسرت رجله، فمسحها، فبرئت، وأَطعم من شواء، مائة وثلاثين رجلًا، كلًا منهم حزَّ له قطعة، وجعل منها قطعتين، فأكلوا منها جميعهم، ثم فضل فضلة. ودين عبد الله أبي جابر لليهودي، وهو ثلاثون وسقا؛ قال جابر: فأمر صاحب الدين أن يأخذ التمر جميعه بالذي كان له، فلم يقبل. فمشى فيها رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، ثم قال لجابر: "جد له" فوفَّاه الثلاثين وسقًا، وفضل سبعة عشر وسقًا، ومِثْلُ هذا كثير، قد جمعت نحو ألف معجزة.
وكرامات الصحابة، والتابعين بعدهم، وسائر الصالحين؛ كثيرة جدًا؛ منها: ما كان من أسيد بن حضير وهو يقرأ سورة الكهف؛ فنزل من السماء مثل الظلة، فيها أمثال السرج، وهي الملائكة نزلت لقراءته. وكانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين. وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة، فسبحت الصحفة، أو سبح ما فيها. وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فأضاء لهما نور، مثل طرف السوط، فلما افترقا، افترق الضوء معهما؛ رواه البخاري وغيره.
وقصة الصدِّيق في الصحيحين؛ لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها، فشبعوا، وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته، فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، وجاء إليه أقوام كثيرون، فأكلوا منها، وشبعوا.
وخبيب بن عدي؛ كان أسيرًا عند المشركين بمكة، شرفها الله تعالى، وكان يُؤْتى بعنب يأكله، وليس بمكة عنبة. وعامر بن فهيرة؛ قُتِلَ شهيدًا، فالتمسوا جسده، فلم يقدروا عليه. وكان لما قُتل رُفع؛ فرآه عامر بن الطفيل وقد رُفع، وقال عروة: فيرون الملائكة رفعته. وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر، وكانت صائمة، سمعت حسًا على رأسها، فرفعته، فإذا دلو مُعَلَّقٌ فشربت منه، حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها.
وسفينة مولى رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم؛ أخبر الأسدَ بأنه رسولُ رسولِ الله صَلَّى الله عليه وسلم، فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده. والبراء بن مالك؛ كان إذا أقسم على الله تعالى، أبر قسمه. وكان في الحرب، إذا اشتد على المسلمين في الجهاد، يقولون: يا براء! أقسم على ربك، فيقول: يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، فَيُهْزَم العدو. فلما كان يوم القادسية، قال: أقسمت عليك يا رب، لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد، فَمُنِحُوا أكتافهم، وقُتِلَ البراء شهيدًا.
وخالد بن الوليد؛ حاصر حصنًا منيعًا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم، فشربه، فلم يضره. وسعد بن أبي وقاص؛ كان مستجاب الدعوة، ما دعا قط إلا اسْتُجِيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى، وفتح العراق. وعمر بن الخطاب؛ لما أرسل جيشًا، أمَّرَ عليهم رجلًا يُسمَّى سارية، فبينما عمر يخطب، فجعل يصيح على المنبر: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فقدم رسول الجيش، فسأل فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدوًا فهزمونا، فإذا بصائح: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم الله. ولما عُذِّبت الزبيرة على الإسلام في الله، فأبت إلا الإسلام، وذهب بصرها، قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى، قالت: كلا والله، فرَدَّ الله عليها بصرها.
ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم، فأعمي بصرها، لما كذبت عليه، فقال: اللهم إن كانت كاذبة، فأعم بصرها، واقتلها في أرضها؛ فعميت، ووقعت في حفرة من أرضها، فماتت، والعلاء بن الحضرمي؛ كان عامل رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم، فيستجاب له. ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا، لما عدموا الماء والإسقاء لما بعدهم، فأجيب، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم، فمروا كلهم على الماء، ما ابتلت سروج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات، فلم يجدوه في اللحد.
وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني؛ الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة، وهي ترمى بالخشب من مدها، ثم التفت إلى أصحابه فقال: تفقدون من متاعكم شيئًا، حتى أدعو الله عز وجل فيه، فقال بعضهم: فقدت مخلاة، فقال: اتبعني، فتبعه، فوجدها قد تعلقت بشيء، فأخذها. وطلبه الأسود العنسي لما ادَّعى النبوة فقال له: أتشهد أني رسول الله، قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر بنار، فأُلقِي فيها، فوجدوه قائمًا يصلي فيها، وقد صارت عليه بردًا وسلامًا، وقدم المدينة بعد موت النبي صَلَّى الله عليه وسلم، فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد صَلَّى الله عليه وسلم مَنْ فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيم خليل الله. ووضعت له جارية السم في طعامه، فلم يضره. وخببت امرأة عليه زوجته، فدعا عليها، فعميت، وجاءت وتابت، فدعا لها، فردَّ الله عليها بصرها.
وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه، وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها. ومرَّ بقافلة قد حبسهم الأسد، فجاء حتى مس بثيابه الأسد، ثم وضع رجله على عنقه، وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإني أستحي أن أخاف شيئًا غيره، ومرت القافلة. ودعا الله تعالى أن يهوِّن عليه الطهور في الشتاء، فكان يُؤتى بالماء له بخار. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة، فلم يقدر عليه.
وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله عز وجل، فلم يروه. ودعا على بعض الخوارج، كان يؤذيه، فخر ميتا، وصلة بن أشيم؛ مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق عليَّ منَّة، ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه. فلما وصل إلى بيته، قال: يا بنيّ، خذ سرج الفرس؛ فإنه عارية، فأخذ سرجه، فمات الفرس. وجاع مرّة بالأهواز، فدعا الله عز وجل واستطعمه، فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل التمر، وبقي الثوب عند زوجته زمانًا، وجاء الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من غير هذا الموضع، فولى الأسد وله زئير.
وكان سعيد بن المسيّب في أيام الحرة، يسمع الأذان من قبر رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره. ورجل من النخع؛ كان له حمار فمات في الطريق، فقال له أصحابه: هلم، نتوزع متاعك على رحالنا، فقال لهم: أمهلوني هنيهة، ثم توضأ فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين، ودعا الله تعالى فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه.
ولما مات أويس القرني، وجدوا في ثيابه أكفانًا لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبرًا محفورًا فيه لحد في صخرة، فدفنوه فيه، وكفنوه في تلك الأثواب. وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يومًا في شدة الحر، فأظلته غمامة. وكان السبع يحميه وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو، أنه يخدمهم. وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته، سبّحت معه آنيته. وكان هو وصاحب له، يسيران في ظلمة، فأضاء لهما طرف السوط.
ولما مات الأحنف بن قيس، وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها، فوجد القبر قد فُسِحَ فيه مد البصر. وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئًا، وخرج يمتار لأهله طعاما، فلم يقدر عليه، فمرَّ بسهلة حمراء فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله، ففتحها، فإذا هي حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها، تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبًا متراكبًا.
وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتًا حسنًا، ودمعًا غزيرًا، وطعامًا من غير تكلف. فكان إذا قرأ، بكى، وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله، فيصيب فيه قوته، ولا يدري من أين يأتيه. وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج، فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه، ثم تعود بعده، وكل هذه الكرامات وغيرها الكثير ذُكِرت في كرامات الصحابة تفصيلا.

الاسم :
البريد الالكتروني :  
عنوان الرسالة :  
نص الرسالة :  
ارسال